-2-
…لقد دخلتُ الجامعة بعدَ مغامراتٍ متحفةٍ بالإثارة،و التشتت الفكري،و التجاذب الفكري أيضاً،بل و الصراع الفكري،ناهيكَ عن صراعات المُراهقة،ونزواتي الصبيانية،و أكادُ أجزمُ بأنني لم أفوِّت جماعةً إلا و كان لي معها سجالٌ و مدٌّ و جزرٌ،و انخراطٌ سطحي في أغلبهِ،غيرَ أنني كنت مؤمناً بشيءٍ واحدٍ يجمعني بهم جميعاً: أنَّ من طبيعة النفس البشرية إذا وجدت نفسها في حيز الاختلافات: أن تسعى للرقي بذاتها، و هذا لإظهار تميِّز المُختلف لديها،و هذه الفكرة بنظري تتمثّل بالكلِّ و الواحد منه على حدٍ سواء،و لكن ليس بمحاولة كسر الآخر،و لا محاولة تحجيم الآخر، في إطارٍ من صنيع أفكارها المتفردة، بل على العكس بمحاولة استيعاب الآخر،كإنسان،و منافسته، فيما تشتركُ به الإنسانية من علاقات،وكل ذلك بطبيعته سيؤدي إلى الرقي بالجنس البشري،و إلى التحضر،و التقدم،سوى ذلك من تصادمات: فمن شأنها أن تخلق تراجعاً و لو بعد حين؛ لذلك كانَ من الصعبِ أن يحتاز شخصٌ مثلي على الأعداء.
و في فترةِ المُراهقة تضطربُ النفس التي تحاول الإنفلات من الشرنقة التي تمنطقت فيها،و ذلكَ للخروجِ إلى حقل الحياة،و اكتشاف المغزى الحقيقي الكامن بهدوء بينَ أفواف الزهر،لذلك تجد المراهق يتنقل بين زهرةٍ و زهرةٍ،بشكلٍ غيرَ مبرَّرٍ لمن غفِلَ عن التركيبة المعقدة لهذا الكائن البدائيّ،و قد لا يَسعني أن أتحدَّثَ بتوسّعٍ حول مراهقتي بالتحديد،فمنها الطريف،و منها ما أن أتذكّره حتى يحمرّ وجهي خجلاً ، أو أن أمتعظ لشيءٍ مبهمٍ في نفسي وقد تمثّلَ في موقفٍ ما،غيرَ أنّ المُراهق يدنو إلى الأزهار ليَجسَّ النبضَ في أوصالها،و كثيرون هُمُ الذينَ نهشتهم أشواكُ الورود فارتدوا على عقبهم،و قد خذلتهم التجربة،و كثيرونَ هم الذينَ لم يصلوا إلى زهرةٍ واحدةٍ،لأنّ أحدهم قرر بإرادته أنَّهُ حارسٌ على الحياة،و كثيرونَ هم الذين وجدوا لذتهم في هشمِ الزهور،أو قطفها و إهدائها لنزواتهم،حتى تجفَّ في قفارِ هذه النفس التي ما زالت تخلو من معناها الحقيقي،فالمعنى يُكتَسَبُ،فقل لي: هل الآلةُ حَمَلت معناها قبلَ وجودها؟،أم أنّها حملت صفاتها التي بمجموعها مثلت المعنى الحقيقي؟،و ليسَ المعنى سوى دليلٍ على المغزى.
الكائنُ البشريّ يكتسبُ معنى الإنسان اكتساباً،و قد يكتَسِبُ معنى الحيوان،و الحشرة،و الشيطان،و الملاك،و هذا كلهُ مقتصِرٌ على الظروف التي نشأ بها هذا الكائن،بعيداً عن نظريات الشذوذ،فالشذوذ لا يُعبر إلا عن الواحد،فالواحد من الكلّ قد يشذّ،و لكن ليس سهلاً أن يشذُّ الكلُّ،فقد يظهر في بَلَدٍ ما نابغةٌ لا يُضاهى ،فهل معنى هذا أنّ البلد بما حوى لا يخرج إلا مثل هذا الصنف؟.
لذلك لو أخذنا نظرية دارون من باب المجاز،و هي :أنَّ أصل الإنسان قردٌ قد تطوّرَ ضمن ظروفٍ مُساعدة؟،هذا المجاز يعني: أن نذهبَ إلى الغابات و حدائق الحيوان،ثمّ نحنو على القرد و نقول لهُ: آه أيها المسكين لو أدركتَ مسيرة التطور،و لم تتعنت لرأيك،لكنت اليوم مثلنا.
- بحقِّ ما آمنتَ بهِ خلصنا،ما شأن هذا بالكتاب،و المراهقة،و الجامعة؟. أعتقد بأنكم تعرفون هذا الصوت جيداً أليسَ كذلك؟
لا تشغل بالك لقد انتهيت من التنظيرالأوّلي،والآن لنعد إلى الجامعة حيثُ المُسمى يحمل معناه،فتجدُ ضروباً من الناس،و أفكاراً شتى،وثقافاتٍ مختلفة،و أحلاماً تتقلب بينَ الأجفان،و نحنُ معشَرَ الشباب-ولفظُ شباب يشتملُ على المؤنثّ قبل المذكر- المعنى الجوهري الحاضرِ في مثوله بينَ الماضي و المستقبل،هذا ما ينبغي أن يكون،في الحالة الطبيعية لعجلة الحياة، و لكن إذا تبيّنَ أن الماضي أرجى من الحاضِر،فالأسف كلّ الأسف على المستقبل،فأن يكونَ أصل الإنسان-مجازاً- قرداً فهذا أمرٌ فيه قولٌ،و لكن أن يكونَ أصل القرد إنساناً،لعمري إنّها لمدعاةٌ لأن يُلطِّخَ المرءُ وجههُ باللبن!.
الطبيعةُ واضِحةٌ أمامَ نفسها،غيرَ أنّ ما يعتريها من كوارثٍ يستدعي الوقوف عليه،و التنقيب عن أسبابه،فسلّم التطور سامقٌ،و ل






















